عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
335
اللباب في علوم الكتاب
قلنا : نعم ، ولكنّ الصوم قد يسقط فعله عن الحائض ، والنّفساء ، والمسافر ، ويوقعون قضاءه في غيره من الأشهر ؛ بخلاف الحجّ ؛ فإنّه إذا لم يصحّ فعله في وقته ، لا يقضى في غيره من الأشهر . واحتجّ مالك - رحمه اللّه تعالى - وأبو حنيفة بهذه الآية على أنّ الإحرام بالحجّ في غير أشهر يصحّ ، فإن اللّه تعالى جعل الأهلّة كلها ظرفا لذلك . قال القفّال : إفراد الحجّ بالذّكر إنّما كان لبيان أن الحجّ مقصور على الأشهر التي عيّنها اللّه تعالى لفرضه ؛ وأنه لا يجوز نقل الحجّ من تلك الأشهر إلى شهر آخر ؛ كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء ؛ فأفرد بالذّكر ، وكأنه تخصيص بعد تعميم ؛ إذ قوله تعالى « مَواقِيتُ لِلنَّاسِ » ليس المعنى لذوات الناس ، بل لا بدّ من مضاف ، أي : مواقيت لمقاصد النّاس المحتاج فيها للتأقيت ، ففي الحقيقة ليس معطوفا على الناس ، بل على المضاف المحذوف الذي ناب « النّاس » منابه في الإعراب . وقرأ الجمهور « الحج » بالفتح في جميع القرآن الكريم إلا حمزة والكسائيّ وحفصا عن عاصم ، فقرءوا « 1 » حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] بالكسر ، وقرأ الحسن ، وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن ، وهل هما بمعنى واحد ، أو مختلفان ؟ قال سيبويه « 2 » : « هما مصدران » ؛ فالمفتوح كالرّدّ والشّدّ ، والمكسور كالذّكر ، وقيل : بالفتح : مصدر ، وبالكسر : اسم . فصل في الرد على أهل الظّاهر قال القرطبيّ « 3 » : هذه الآية الكريمة تردّ على أهل الظّاهر ، ومن وافقهم في أنّ المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة ؛ واحتجّوا بأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم ، عامل أهل خيبر على شطر الزّرع والنّخل بما بدا لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم ، وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم - من غير توقيت ، وقال : وهذا لا دليل فيه ؛ لأنّه - عليه الصّلاة والسّلام - قال لليهود : « أقرّكم ما أقرّكم اللّه » « 4 »
--> - وأخرجه مسلم ( 3 / 125 ) والنسائي ( 1 / 302 ) وابن الجارود في « المنتقى » ( 395 ) والدارقطني ( 229 ) وأحمد ( 2 / 263 ) والطيالسي ( 2306 ) من طرق عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا . وأخرجه الترمذي ( 1 / 133 ) وأحمد ( 2 / 259 ) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . ( 1 ) انظر : السبعة 178 ، والحجة 2 / 278 . ( 2 ) ينظر : الكتاب 2 / 216 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 228 . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 4 / 211 ) كتاب الجزية والموادعة باب إخراج اليهود . ومالك في « الموطأ » ( 703 ) والشافعي ( 1176 ، 1335 - بدائع ) وفي « مسنده » ( 95 ، 222 ) وابن عبد البر في « التمهيد » ( 6 / 448 ) .